النهي الحسن الجميل

لصاحب السنة أن تنطلي عليه

حِيَلُ أهل التخذيل

الشيخ: أحمد السبيعي

 
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وسلم وبعد،

   فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة وهم يتذاكرون الفقر ويخشونه –كما في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عند أبي داود وغيره- فقال صلى الله عليه وسلم:

 ( آلفقر تخشون؟! فوالله لتفتحن عليكم الدنيا، ثم لَتَصُبَّنَّ عليكم صبّاً حتى لا يزيغ قلب أحدكم إلا هي؛ لقد تركتكم على مثل البيضاء)

   ففي هذا الحديث من الفوائد الجليلة: أن المسلم قد يخشى شيئا ويتوقاه، ويكون الشر عليه في غير ما تحرّاه.

   فقد أكثر الناس في هذا الزمن – بسبب غلبة الأهواء وفُشُوُّ الجهل- من الخوف والتخويف من الغلو والشدة؛ وهذا حق في نفسه، لكن صار من الحق الذي يراد به الباطل.

   والشر الذي عمَّ وطمَّ؛ في غفلة من بعض أهل العلم؛ هو شر التخذيل الذي جلب بخيله ورجله على الشباب والشابات أصحاب السنة؛ فصار يفتُّ في عضد يقينهم واعتصامهم بالسنة وأصولها، وحسن ظنهم وارتباطهم ورجوعهم لعلماء السنة.

   والنبي صلى الله عليه وسلم صراحة جهارا نهارا حين ذكر بقاء الطائفة الناجية المنصورة نص نصا، ووضع فصّاً، يقرن به بين الذين يخالفون الحق في الضرر على دعوة السنة؛ وبين من يخذل عنها؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ،لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله.

   فهذه كلمات هي أشبه بالتذكرة لمن كان في قلبه حياة، وفي سنته ثبات، عسى أن تكون عونا لغافل للرجوع، ولعاقل على الخضوع:

    التخذيلُ صدٌّ عن سبيل الله –عز وجل-؛ والصدُّ عن سبيل الله –عز وجل- من صفة الكفار –عياذا بالله-؛ وهذا كثير في القرآن، كقول الله –عز وجل- الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ _ [الأعراف : 45] وقال تعالى - الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُوْلَـئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ _ [إبراهيم : 3].

   التخذيل من صفة المنافقين؛ وهذا كثير في القرآن كقوله تعالى: لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.[التوبة : 47].

   التخذيل تركٌ للنصرة الواجبة شرعا؛ والتي جعلها اللهُ عنوانا للصدق في الإيمان. قال الله تعالى - وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ _ [الأنفال : 74]. وقال تعالى - فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ _ [الأعراف : 157].

   التخذيل ظلمٌ لأهل الحق؛ وزيادة في المحنة والفتنة.

   التخذيل ذنبٌ عظيم جعله النبي صلى الله عليه وسلم قرينا لعداء الحق ومخالفته.

   التخذيل لا يرد في الأصل على المؤمن الصادق؛ لأن باعث الإيمـان والصدق يناقضه؛ ولذلك لم يرد التحذير منه استقلالا؛ أما الغلو فقد يحمل عليه الغضب لله عز وجل، والغيرة على محارمه، وإرادة نصر دينه، إذا صاحب ذلك جهلٌ، ولم يرجع للعلماء.

   التخذيل يلزم منها إتباع الهوى؛ لأن صاحبه يقف في وجه الردود مطلقا؛ وينافي العدل الواجب، الذي يقتضي ردّ القدر الزائد الذي فيه الغلو –على فرض وجوده، وقبول الحق الذي هو أصل الردّ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالغزو مع الأئمة أبرارا كان أو فجاّرا،كما قال شيخ الإسلام.

   التخذيل سببه أمراض في القلب: كضعف اليقين، واضطراب القلب، وورود الشبهات، والجبن، والخوف، والهلع، والحرص على الدنيا.

   التخذيل آفته أن صورته غير ظاهرة في الشر؛ فصاحبه يظهر السنة، ويزعم الشفقة والنصح؛ فهو أشبه بالحية الناعمة الملمس التي تندس في ثنايا الثياب.

   التخذيل يصور النزاع اليوم بين أهل السنة ومخالفيهم أنه في أخطاء واجتهادات، لا تقتضي المفارقة، ولا الهجران؛ ثم يتهم أصحابه أهل العلم بالهوى؛ فصار أهل الأهواء –عند أهل التخذيل- هم أهل العلم وليس المردود عليهم.

   التخذيل فيه مشابهة تامة للجماعات في دفاعها عن أئمتها وطرقها:

    فيحرص أصحابه على حصر النزاع في الأخطاء لا البدع.

    يصف أصحابه أهل الحق بالغلو والشدة. يدعون للتعاون مع الجماعات؛ أو تهوين الخلاف معها.

    فهل يعقل أن هذه المطابقة التامة في المعاني والأساليب ليس لها دلالة في مشابهتهم للجماعات في المعاني التي يعتقدونها؛ ولماذا إذاً قال النبي صلى الله عليه وسلم:

من تشبه بقومٍ فهو منهم

   فاحذر يا صاحب السنة أن تخالف دعوة السنة؛ أو تكون مع المخذلين.

   فليس الموضوع حال شخص أو شخصين؛ إنما هو امتداد كبير لنزاع في أصول السنة لعدد من الأسماء، والجهود، والكتابات؛ تمرُّ فيمن تمرُّ فيه: بعلي حسن، ومصطفى إسماعيل أبي الحسن، وعدنان عرعور؛ فلا تحصر ذهنك في شخص؛ ولا يدخل عليك من مسألة؛ فتجرّ إلى مذاهب وتيارات وأقوال قد قطعت أشواطا بعيدة في خيانة السنة.

   واللهَ اللهَ في عِرض مشايخ السنة الكبار؛ وعلمائها المعروفين؛ كالشيخ ربيع بن هادي حفظه الله؛ والشيخ عبيد الجابري حفظه الله؛ فتجعل نفسك في الكفة، والوجهة التي وجهوا لأربابها النقد، ولأصحابها النصيحة. ولا تنس جهادهما، وفضلهما، وتزكية أهل العلم لهما.

   ولا تجعل بعض الاشتباه أو الشبه تقودك أو تدفعك إلى مناصرة أعداء السنة كعلي حسن، وأبي الحسن، وعدنان عرعور ونحوهم.

   فاحذر الفريقين كليهما: المخالفين، والمخذلين.

   وإن كنت لا تقوى على الفهم، ولا تقدر على الإحاطة، فأيهما أولى بالتقليد لو جاز: علي حسن، وعدنان عرعور دعاة التعددية والعبث بالسنة؛ أم الناصحين الظاهرين عليها كالشيخ ربيع والشيخ عبيد؟!

   ولا يرجف عليك، ويجلب على عقلك وقلبك بأن في اعتبار الرجال في المحن والفتن والسنة تعصبا للشيوخ، أو اتباعا بغير بصيرة؛ بل لا بد للسنة من رجال صادقين يحملونها في كل زمان ومكان، قال الإمام اللالكائي رحمه الله: وكان في الإسلام من يؤخذ عنهم هذه الطريقة قوم معدودون، أذكر أساميهم في إبتداء هذا الكتاب لتعرف أساميهم، ويكثر الترحم عليهم والدعاء لهم لما حفظوا علينا هذه الطريقة، وأرشدونا إلى سنن هذه الشريعة. اهـ ص45.

   فأنت أمام فريقين؛ وأمام طريقين: طريق أهل العلم والسنة: كالشيخ ربيع بن هادي حفظه الله، والشيخ عبيد الجابري حفظه الله، ومن ناصرهما من أهل العلم في جهادهما, وطريق علي حسن وأبي الحسن المأربي وعدنان عرعور ونحوهم، ومثلهم. هذه هي أصل القضية؛ وما بعدها من أسماء وعناوين، وكتابات ومضامين؛ تابعة لهذه المعركة بين السنة وبطانة الجماعات؛ فاستخر الله واضرع إليه أن تسلك مسلك السنة ونصرتها، ولا تسلك مسلك المخالفة أو الخذلان. فإن قلت: أختار العزلة؛ فأقول: خيرا إخترتَ من أن تختار طريق علي حسن ومن سبقه وتبعه.

   لأنك إذا اعتزلت معتصما بالسنة، باحثا عن الحق، راجعا لعلماء السنة الموثوقين، فعسى أن تكون في مهلة وفرصة لمعاودة الرجوع إلى الحق ونصرته.

   أما أن تقف مع من يخون السنة؛ وتنصره، وتلقي بنفسك في شبه بطانة الجماعات؛ فقد قربت من الهلكة إن لم تكن هالك.

والله وحده الهادي إلى سواء السبيل.

 

الشيخ: أحمد السبيعي
حفظه الله

 
 
 
 

المقال السابق

أقـلام إغـتـالـت شـبـابـنـا
www.salafi.ws/page1.html

بقلم :محمد عثمان العنجري
2 - 10 - 2004

 
 

 

 

 

عدد زوار هذا المقال منذ 8-10-2006

Copyright © 2007 - 2015
Powered by:
Mersin Marketing Solutions - Jordan.